أبو الليث السمرقندي

87

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الشرط والجزاء . فلم يشكروا ربهم ، فسألوا ربهم أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض . لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وقد كانوا في قراهم آمنين منعّمين فذلك قوله : لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ يعني : أنهم كانوا يسيرون من قرية إلى قرية بالليل والنهار ، آمنين من الجوع ، والعطش ، واللصوص ، والسباع . قرأ ابن كثير وأبو عمرو بعد بغير ألف وتشديد العين . وقرأ الباقون باعِدْ بالألف وهما لغتان بعّد باعد . وقرأ يعقوب الخضرمي وكان من أهل البصرة رَبَّنا بضم الباء باعِدْ بنصب العين وهو على معنى الخبر . وروى الكلبي عن أبي صالح أنه قرأ هكذا معناه رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا فلذلك لا ينصب . ثم قال : وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالشرك وتكذيب الأنبياء فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يعني : أهلكهم اللّه تعالى فصاروا أحاديث للناس يتحدثون في أمرهم وشأنهم لم يبق أحد منهم في تلك القرى وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي : فرقناهم في كل وجه ، فألقى اللّه الأزد بعمان ، والأوس والخزرج بالمدينة ، وهما أخوان وأهل المدينة كانوا من أولادهما إحدى القبيلتين الخزرج والأخرى الأوس ، فسموا باسم أبيهم . وخزاعة بمكة كانوا بنو خزاعة ، منهم لخم وجذام بالشام . ويقال كلب وغسان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي : في هلاكهم وتفريقهم لعبرات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يعني : للمؤمنين الذين صبروا على طاعة اللّه تعالى ، وشكروا نعمته . قوله عز وجل : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ يعني : على أهل سبأ . ويقال : هذا ابتداء . يعني : جميع الكفار وذلك أن إبليس قد قال : قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) [ ص : 82 - 83 ] فكان ذلك ظنا منه فصدق ظنه فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً يعني : طائفة مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وهم الذين قال اللّه تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * [ الحجر : 42 ] وقال سعيد بن جبير : كان ظنه أنه قال : أنا ناري وآدم طيني والنار تأكل الطين . وكذا روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر : ولقد صدق بالتخفيف يعني : صدق في ظنه . وقرأ الباقون : صَدَّقَ بالتشديد . يعني : صار ظنه صدقا . قوله عز وجل : وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ يعني : لم يكن له عليهم ملك فيقهرهم . ويقال : يعني ما سلطناه عليهم إلا لنختبرهم من الذي يطيعنا . وقال الحسن البصري - رحمه اللّه - : واللّه ما ضربهم بعصا ، ولا أكرههم على شيء ، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه . وقال قتادة : واللّه ما كان ظنه إلا ظنا ، فنزل الناس عند ظنه . وقال معمر : قال لي مقاتل : إن إبليس لما أنزل آدم - عليه السلام - ظن أن في ذريته من سيكون أضعف